المناوي

395

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

إشارة إلى أنّ الطالب ينبغي أن يتوجّه إلى مطلوبه بكلّيّته حتى يحصل له . ولمّا طلب الوليّ المذكور من الشيخ الإذن بالرياضة وترك أكل الحيوان ، قال الشيخ : ما أكلت حيوانا ، ولا شربت ماء ، ستّة أشهر في وقت رياضتي ، وما انتفعت بذلك ، بل بامتثال أمر الشيخ . وقال له بعض مريديه : ربما يمرّ عليّ وقت لا أقدر التلفّظ بكلمة الشهادة ، ويخطر ببالي أنّ واحدا لو قال في حضور السّلطان كلّ وقت : لا سلطان أكبر منك ، يعدّ سوء أدب ، ومعلوم أنّه لا إله غير اللّه ، فذكره في حضوره ( كلّ وقت ) بعيد عن الأدب ، فقال الشيخ : هذا معنى الإحسان ، من وصل إليه يكفيه أن يلاحظ حضور الحقّ ، وقال ذلك الرجل : ربّما لا أقدر على ملاحظة معنى الذّكر أيضا ، بل لا أقدر على الدّعاء ، فقال الشيخ : قال الشيخ تاج الدين : ما قدرت أن أدعو اللّه تعالى مدّة ستّة أشهر ، وعند ذلك الوقت يكلّ اللسان ، فيكفيه ملاحظة حضور الحقّ ، قال الرجل : وترتعد أعضائي ، قال الشيخ : هذا ابتداء الحضور ، ولو قدرت على الصيحة كان أزيد . وحضر الفاضل قاضيزاده قاضي بروسا عند الشيخ ، وسأله عن مذهب الجبرية ، ومذهب أهل الحقّ ، فقال : الجبر قسمان : جبر محقّق ، وجبر مقلّد ، فالجبر المحقّق : تفويض جميع أموره إليه تعالى ، وإسقاط اختياره بعد امتثال الأوامر ، وتجنّبه النواهي ، والجبر المقلّد : تفويض أمره إلى هواه ، واتّباع شهواته ، وإسقاط إراداته في الأوامر والنواهي ، ويتمسّك بأنّه ليس لي اختيار وقدرة ، بل يجري عليّ ما كتب في الأزل ، وهذا كفر . وقال في حديث : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » « 1 » ، أراد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم

--> - رضي اللّه عنه قال في صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : . . . وإذا التفت التفت معا . ( 1 ) روى البخاري في صحيحه 8 / 708 ( 4946 ) في التفسير ، باب : فسنيسره لليسرى ، ومسلم ( 2647 ) في القدر ، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ، وأبو داود ( 4694 ) في السنة ، باب في القدر ، والترمذي ( 2137 ) في القدر ، باب ما جاء في الشقاوة والسعادة عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقعد ، وقعدنا حوله ، ومعه مخصرة ، -